حلقات صوتية قصيرة — حكمة واحدة، في كام دقيقة

الحلقة ١٤ · ٠٩:٢٥

عواد والقرش وسيكا والنني

نسخة طبق الأصل

عوّاد ربنا فتح عليه، بس عينه على تلات تجار بيلعبوا بالفلوس لعب: القرش وسيكا والنني. قرّر يشتغل كام شهر عند كل واحد فيهم ويعرف سرّه — يا ترى لقى إيه؟

٠:٠٠٠٩:٢٥

نص الحلقة

السلام عليكم يا حبايب.

عوّاد تاجر مواد بناء وحديد وغيره، وهو طموح جدًا وذكي، ومموّت نفسه شغل وسفريات وعلاقات. والحمد لله ربنا كرمه وفتح عليه الرزق، وحياته اتغيّرت، ونقل في بيت حلو وكبير في مكان كويس، واشترى عربية جديدة. وهو ومراته وعياله عايشين مستورين وزي الفل.

وعوّاد له مجموعة من أصحابه بيعتبروا بعض أصحاب العمر، وكل أسبوع أو فترة كده لازم يتقابلوا ويقعدوا يتكلّموا على الشغل والولاد وحياتهم وغيره.

ورغم إن عوّاد يعتبر أكتر واحد فيهم اغتنى وربنا فاتح عليه، لكن كل ما يقعد مع أصحابه يبقى شايل همّ الدنيا ودايمًا سرحان. وكل ما أصحابه يقولوا له: يا عوّاد، ليه يا عم الهمّ ده؟ إنت أكتر واحد فينا ربنا فتح عليك، وما فيش مرة لقيناك بتحمد ربنا على اللي ادّاهولك. يا عم إنت مش فاكر إنت كنت بادي إزاي ومعكش حاجة؟ وربنا رازقك من وسع، وحياتك إنت وأولادك اتغيّرت، وأموركم اتحسّنت، وحتى بقيت أغنى واحد فينا. يا أخي، فليه الهمّ ده؟

فعوّاد قال لهم: يا جماعة، أنا مش ناسي أنا كنت فين وبقيت فين، وما بنكرش كده. ولكن لسه… لسه شوية، ولسه كتير كمان.

فقالوا له: لسه إيه يا عم؟

فعوّاد قال لهم: القرش وسيكا والنني.

أصحابه قالوا له: مين دول يا عم؟ إيه الأسماء الغريبة دي؟

فعوّاد قال لهم: يا جماعة، دول تلات تجار اللي مسيطرين على السوق في الشغل بتاعي، وكلهم مليارديرات، ومراكب وسفر وحفلات. هي دي الناس اللي عايشة يا جماعة بجد، وأنا بعتبر نفسي ما عملتش حاجة إلا لما أكون نسخة طبق الأصل منهم. يا جماعة، إنتو فاكرين إننا عايشين؟ ده إحنا ضايعين. وعارف إنكم بتقولوا عليّا دلوقتي جاحد وما بشكرش النعمة، ولكن مشكلتكم إنكم ما شفتوش اللي أنا شفته. ده التلاتة دول بيلعبوا بالفلوس لعب، وأنا بعتبر نفسي ما حقّقتش حاجة في حياتي إلا لما أبقى زيّهم بالظبط. بس بصراحة مش عارف إزاي.

نسخة طبق الأصل

فواحد من أصحابه قال له: أنا هقول لك على فكرة حلوة.

فعوّاد قال له: إيدي على كتفك يا عم، قول.

فصاحبه قال له: إنت تروح لكل واحد من التلاتة دول وتشتغل عنده كام شهر كده، وحاول تقرّب منه، وبالوقت هتعرف أسرارهم وحياتهم، وتعرف هم وصلوا لكده إزاي.

فعوّاد ردّ وقال له: يا سلام عليك! إنت فعلًا صاحبي بجد، وأنا هعمل بنصيحتك، عشان حياتي وبيتي ومراتي وعيالي نتغيّر كلنا ونبقى نسخة طبق الأصل منهم. وأنا هبتدي بالمعلم القرش، وده بقى اللي نفسي الصبح أصحى ألاقي نفسي اسمي القرش زيّه، وأنسى اسم عوّاد ده خالص، ويختفي ويبقى ماضي.

فأصحابه قالوا له: رغم إننا مش موافقينك على اللي هتعمله، ولكن خلّينا نشوف هيحصل معاك إيه.

المهم، عوّاد ما كدّبش خبر، وراح فعلًا واشتغل مع المعلم القرش. وبعد ست شهور قابل أصحابه، وكلهم فرحوا لما شافوه وقالوا له: ها؟ هننسى بقى عوّاد ونقول لك يا قرش ولا إيه؟

عوّاد قال لهم: أعوذ بالله يا جماعة، دي كانت تجربة صعبة جدًا. أنا فعلًا اشتغلت معاه وقرّبت منه، ولكن عرفت سرّ هو مش قايله لحد. تخيّلوا طلع عنده مرض نادر جدًا، هو وأولاده كلهم! وتخيّلوا السفر كل شوية اللي أنا كنت فاكره فسح ودلع، فطلع إن هو وأولاده لازم يروحوا مستشفى معيّنة برّه ويعملوا تغيير دم وقصص، وبدون ما يعملوا كده ممكن يموتوا. وأنا كمان عرفت إن جزء كبير من ثروته رايح في العلاج، وكمان في أنواع كتيرة من الأكل ممنوعين منها.

فكلهم قالوا له: شفت يا عم؟ وإنت اللي كنت قاعد تقول: أنا عاوز أنا ومراتي وعيالي نبقى نسخة طبق الأصل منه!

فعوّاد قال لهم: والله ربنا ستر إنه ما استجابش دعائي ده، ولّا كنت هبقى في مصيبة سودا. ولكن أنا متأكد يا جماعة إن المعلم سيكا ده بقى مش كده خالص، وحياته زي الفل. فادعوا لي يا جماعة أبقى زي سيكا. وأديني أهو سبت القرش، ومن بكرة هبتدي أشتغل مع المعلم سيكا، وده بقى أملي في الحياة.

المهم، يجي ست شهور كده عدّوا، وعوّاد قابل أصحابه، وكلهم قالوا له: ها؟ نقول يا معلم سيكا وننسى عوّاد ولا إيه الحكاية؟

فعوّاد قال لهم: لا يا جماعة، سيكا إيه! ده طالع مصيبة سودا. تخيّلوا لما اشتغلت معاه وقرّبت منه، عرفت إن هو وعياله مدمنين مخدرات وبودرة وبلاوي كتيرة. وكنت فاكر سفرياتهم فسح ودلع، أتاريهم كل شوية بيتحجزوا في مصحّات لعلاج الإدمان. وللأسف كل ما حد فيهم يتعالج ويخرج، يتلمّ على الشلة القديمة ويرجع يدمن تاني، وحياتهم متدمّرة. ده ربنا ستر إن ربنا ما استجابش دعائي إن أنا وأولادي ومراتي نبقى زي سيكا وعيلته.

ولكن يا جماعة خلاص، الموضوع منتهي. الأمل بقى في المعلم النني، هو ده أملي في الحياة، إن أنا أبقى نسخة منه.

وفعلًا عوّاد راح واشتغل مع المعلم النني، وبعد ست شهور قابل أصحابه، ونفس الحوار بدأ تاني، وقالوا له: ها؟ المرة دي شكلها ظبطت بقى؟ نقول يا نني وننسى عوّاد ولا إيه؟

فعوّاد قال لهم: لا يا جماعة، انسوا النني ده خالص. ده ربنا ستر إنه ما استجابش دعائي، والله كانت تبقى مصيبة لو كنت زيّه. يا جماعة، ده أخلاقه منيّلة خالص، ولسانه زفر، وحياته كلها مشاكل وخناقات، وكل شوية يتجوّز ويطلّق. تخيّلوا متجوّز تمانية لغاية دلوقتي! وطبعًا عياله من كل واحدة، كل مجموعة منهم عاوزين يحطّوا إيديهم على الثروة، وخناقات ومشاكل. حياته بصراحة من برّه يتمنّاها أي حد، بس من جوّه طلعت جهنّم.

بس بصراحة يا جماعة، بعد التجارب دي أنا بقيت دلوقتي متلخبط، ومش فاهم حاجة، أعمل إيه؟

بحلوها ومرّها

فواحد من أصحابه في الشلة، المهندس سعد، قال له: يا عوّاد، والله من البداية أنا كنت عارف إن ده هيحصل، ولكن ما رضيتش أقول لك كده، عشان إنت والشلة هتفضلوا تقولوا عليّا إن أنا من أعداء النجاح، وإني مش عاوزك تبقى مليونير زيّهم وكده.

فعوّاد والشلة قالوا له: طيب، تفسيرك إيه يا هندسة للي حصل ده؟ فهّمنا.

فالمهندس سعد قال لهم: أولًا يا جماعة، إننا نسعى في الدنيا ونشتغل ونهتمّ إننا وأولادنا دنيتنا تبقى أحسن، ده موضوع طبيعي كلنا عاوزينه، وما فيش خلاف عليه.

ولكن المشكلة فيك يا عوّاد إنك كنت دايمًا مش شايف اللي ربنا ادّاه لك: إنك اغتنيت، وشغلك زاد، ومراتك وأولادك كويسين وعايشين مستريحين. ولكن كنت دايمًا باصص للي مش عندك، وعمرنا ما سمعناك مرة بتحمد ربنا على اللي ادّاهولك ووصلت له. وحتى كنت عاوز تغيّر اسمك وحياتك وتبقى زي أي واحد من التلاتة دول.

ولكن القاعدة دايمًا إنك ما ينفعش تاخد حتّة وتسيب حتّة، يعني ما ينفعش تفصّل حياتك بمزاجك. وإذا كنت عاوز تبقى نسخة من أي حد فيهم، فما فيش مشكلة، ولكن خُد حياته كلها بحلوها ومرّها.

فعوّاد ردّ وقال له: لا يا هندسة، حدّ الله بيني وبين حياة أي واحد من التلاتة دول. الحمد لله، ده أنا في نعمة كبيرة بحياتي اللي أنا فيها دي.

فالمهندس سعد قال له: أهو كده يا ريّس، فوق بقى، واعرف إن قصة حياة كل واحد فينا متقدّرة من عند ربنا، وإنه سبحانه وتعالى عارف كل واحد فينا يقدر يشيل إيه، ويتحمّل إيه، وما يتحمّلش إيه. فبيدّي كل واحد فينا الرزق والحياة والاختبارات اللي يقدر يتحمّلها، عشان يعدّي في الآخر من الدنيا صح ويدخل الجنة.

فعوّاد ردّ وقال له: يعني يا هندسة، الموضوع إن الواحد فينا يجتهد ويعمل اللي يقدر عليه، وفي الآخر يرضى بأقدار وعطاء ربنا، مش كده؟

مفلس مع ربنا

فسعد قال له: أهو كده يا عوّاد، الرسالة من ربنا وصلت لك. وعشان كده مهم نفتكر دايمًا حديث نبيّنا الكريم عليه الصلاة والسلام اللي بيقول لنا فيه: انظروا إلى من هو أسفل منكم، ولا تنظروا إلى من هو فوقكم، فإنه أجدر ألّا تزدروا نعمة الله عليكم.

يعني الواحد فينا دايمًا يبقى باصص في أمور الدنيا على اللي أقل منه في الصحة والشغل والفلوس والعيال، فلما يلاقي نفسه أحسن من غيره يكون من جوّاه راضي ويحمد ربنا على اللي عنده، فربنا يبارك له ويزوّده.

وعلى العكس بقى في أمور الدين: فدايمًا الواحد فينا يبصّ على اللي أحسن منه. فده مثلًا بيقوم الليل وأنا لا، وده بيصوم، وده بيتصدّق كتير وأنا لا. فالواحد دايمًا يحسّ إنه مفلس مع ربنا لما يقارن نفسه بالأحسن منه، فيبتدي كل شوية يزوّد ويقرّب من ربنا.

والمشكلة بقى يا جماعة إن معظمنا بيعمل العكس. ففي أمور الدنيا دايمًا باصّين على اللي الزيادة عننا، فدايمًا حاسّين إن إحنا قليلين وإن ربنا ما ادّاناش حاجة، وطبعًا اللي بيعمل كده ما بيشكرش. والمصيبة بقى إن في أمور الدين باصّين دايمًا على إيه؟ على اللي ما بيصلّوش، واللي بيشربوا مخدرات، واللي أوحش مننا. فدايمًا حاسّين إن إحنا من الأولياء وإننا من أهل الجنة، فما بنحاولش نزوّد أي حاجة في علاقتنا بربنا.

فعوّاد ردّ وقال له: الرسالة وصلت. الرسالة وصلت يا جماعة: إن الواحد فينا دايمًا يجتهد، ولكن في الآخر يرضى بقسمة ربنا ويحمد ربنا عليها، وما يبصّش على اللي عند غيره.

وربنا جميعًا يفهّمنا ويرزقنا الرضا بقسمته في حياتنا. وجزاكم الله خيرًا.